|
بقلم: قنايات
(1) شقــاوة عـــيال
أذكــر أنــي فـي طفـولـتي المبكــرة ..فـي سـاعـات العـصـر الجمـيلـة .. كـنت أجـالس والـدى عـلي الحـصيرة الممتـدة أمـام منـزلنـا الـريفـي تحت ظلال شجـرة الـتوت العـملاقـة الـتي ترسـل نسماتهـا الـرطبـة العـليلـة .. فـتـنـعـش مـنــّا العـقـول والأجسـاد .. علـي شاطيء تلك التـرعـة ذات المـاء الرقـراق التي تخـترق قـريـتنا فـي شرق الـدلتـا .. يفصـلنـا والمنـزل بحـر الطـريق الـريفي الواسـع الـذى يمتـد والقـريـة بطـولهـا ..
كـان ( عـليه رحمـة الله ) يتجـاذب معـي أطـراف الأحـاديث التي تتناسب وطـفـل يمتلك من السنين خمسة أو ست ... أحـاديث الأباء مـع أطـفالـهم فـي تـلك المرحـلة تجمـع بين الإستقصاء .. والإطمئنان عـلي النمـو العـقـلي .. وبعـض التـلـقـــيـن الغـير مباشـر .. حـوارات تتخـذ طـابـع المناوشات الـبسيطـة والإخـتـبـارات الـلـذيـذه .. يتجـول معـي فـي كـل مجـال .. عـن الطـير في السمـاء .. والسمك فـي المـاء .. ورفاق اللهـو .. وأفضـل الأكـلات .. وتصـورى لـنـفسـي حـين أنمـو وأكــبر ..
يـقـطـع الحـديث بين الـفـينـة والأخـرى .. فـلاح يمتطـي حمـاره فـي الطـريق إلـي بـيـتـه عـائدا من الحـقـل مبكـرا يلـوى عـلينـا ملـقـيا السلام .ثـم ينـزل من عـلي ظهـر الـدابـة .. غـارفـا من ( المقـطـف ) المسنود أمـامـه بكـلتـا يـديـه .. ( حـفنـات ) من البـلح الطـازج .. أو الخـيار والـقـثـاء.. يـضعـهـا فـي كـرم أصـيل عـلي الحـصيرة أمـامـنـا .. ثم يمضــي .. ليستكـمـل والـدى حـواراته ومناوشاتـه .
... لست أدرى كـنـه ذلـك الشـيـطان الـذى كـان يـتـلبسني .. ويستحـوذ عـلي غـالب فكـرى في تـلك الفـترة ..
كنت قـد عـاصـرت مذهـولا .. وباستغـراب .. قـدوم أطـفـال جـدد .. وانضمامـم إلي أفـراد الأسـرة بمفهـومهـا الواسـع .. أسمـاءا جـديدة تـفـد وتفـرض نـفسهـا .. بطـون تـنـتـفـخ عـلي مـراحـل .. لعـمـة أو خـالـة أو قـريبـة أو جـارة .. إثـارة وأدعـية .. ( يـقـوّمهـا بالسلامـه) .. طوارىء مؤقـتـة .. نساء غـريبات يـفـدن إلـي المنـازل المـتلاصقـة .. تـوتـر واحـتضان من الكـبار لـزوج قـلـق أجـلـسوه فـي وسطهـم عـلي المصطبـة أمـام المنـزل .. صـرخـات فـتريـة تـأتـي مـن الـدّاخـل .. يـقـطـع كـل ذلك انفـراجـة مفاجــئة .. عـلامـاتـهـا ( وقـوقـة) تشـبه مـواء قـطـة أو ثغـاء نـعـجـة .. تنسـاب إلـي الآذان المـرهـفـه فـي تـوقـّع .. يعـقـبهـا اندفـاعـة ذكـوريـة إلي الـدّاخـل .. وسـؤال لسيدة موجـودة ولا أعـرفــهـا ... وتـأتـي الإجـابـة عـلي لسانهـا ( مـبروك .. بنت ... أو مـبروك .. ولـد ) .. ثم لأحـدهم .. ( إدخـل شوف ابـنـك ومراتـك .. ماشاء الله .. زى الـقـمـر ) .. وتنهـال التهـاني .. وتـذبح الـدجـاجـات .. ويصبـح ( المغـات ) سـيد الـموقـف .. ( عمـرى ماحـبـّـيتـه) ..!! .. ومن هـنـا تعـرفـت عـلي بعـض الخـلق والوجـود .. وثـارت بـداخـلي التسـاؤلات ... !!.. كـان أروعـهـا .. أو أفـظعـهـا .. ذلك التسـاؤل المفاجـيء الـذى فاجـأت بـه والـدى .. والـذى وضـع نهـايـة لجـلسـتنا الجميلـة عـلي شاطىء الجـدول الكـبير ...
** آبـــا .. آبــا ... هــوا انت وأمـي .. لـمـّا جـبتـونـي .. كـنـتم نـاويـن تجـيبونـي أنـا بـالذات .. والــّـلا أنـا جـيت بـالـصـّـدفـه .. وكـان مـمـكـن ييجـي أى حـد غــيرى ... ؟؟
فـوجيء الـرجـل بالسـؤال .. وأصيب بارتـبـاك ... وزاغ بنظـره إلـي فـراغ السمـاء .. ولم يـنـقـذه إلا فـلاح طـيـب عـرج عـلينـا بـ ( حـفـنـات ) مـن البلـح ... الـتـقـفـتـه يـدىْ والـدى بـلهـفة تخـلصا من ورطتـه .. بـل زادهـا بأن ألـح عـلـي صـاحـبـه بضـرورة الجـلوس لاحـتساء القهـوة معـا ...
** قـوم يـا (....) قـول لخـالـتـك زيـنـب تعمـل كـنكـة قـهـوه سـاده ...
... وتخـلـص العجــوز مـني .... لـتـمضـي الـسـنـيـن ..
(2) ..وبـدأت الـسـير وحــيـدا كـان ذلـك بـيـن عـامـي 1957 و 1959 ... وكـنت قـد مـررت بفــتـرة قـاسيـة أيـّـما قــسوة .. جـاوزت مـن عـمـرى العـشرين ... ومنـذ مـيلادى .. وحتي الـثـلـث الأخـير مـن عـام 1955 حـين انتـقـل والـدى إلـي رحـاب خـالقـه ولـم يعـبر مـن الخـمسين إلا قـلـيـلا .. كـنـا نحـيـا حـياة مـترفـة لـلـغـايـة .. بـل كـان الـبـذخ بعـيـنــه ..
فـفـي حـين كـان الـتلامـيذ مـن أقـراني لايتعـرفـون مـن الـعـملـة إلا عـلي الـنـصف مـليم والمـليم والنـّـكـلـه ومضاعـفـاتهـا وصولا إلي التعـريفـه والـقـرش .. وبـالكـاد ( الـنص فـرنك ) للـغـني مـنهـم .. كــان ( جـيـبـي ) أو ( سـيّـالتي) تـحـوى نقـودا ورقـية من فـئـة الشـلن والبريـزة والجــنـيـه .. وتـتـدلـي إلـي أسفـل مـن ثـقـل ( المـعدنـيـات ) ..
وفجـأة تـركـنـا الـوالـد ورحـل قـبل دخـول المـدارس .. وكـنت فـي الـثانـويـّة العـامـة .. واكـتـشـفـنـا أن ثـروة الـوالـد عـلـيـه رحـمـه الـلـه .. مـاهـي إلا مجمـوعـة هـائلـة من الكـمبـيـالات .. إجـمـاليهـاعـشرات الآلاف من الجـنـيهات .. تسـاوى اليـوم عـدة مـلايـيـن ... فـقـد كـان سعـر فـدان الأرض الـزراعـية حـينهـا مابين 400 و 600 جـنيــه .. تلك الـسنـدات عـلي الغـير .. كـانت مقـدمـات مـدفـوعـة لـمقـاولـي الـباطـن لـتـوريـد أنـفـار ( تراحـيل) لمـوسم قـادم .. وقـد أنـكـروا جـمـيعـا .. وادعـوا سـدادهـا .. وكـنـا بلا سـنـد ولا خـبرة .. ولاحـول ولا قـوّة .. ماعـدا واحـد منهـم تـبرع بعـشرة جـنيهـات ( عـطـفـا وشفـقـة ) .. لـم نـتـقـبلهـا .. ووجـدنـا فـي محـفـظـة الـوالـد .. 55 جـنـيهـا .. مــع مسكـن فـخـم كــبـيرخـلـفـه لـنـا .. وأفـواه عـشرة عـليهـا أن تشـق الطـريق وتـواصـل الحــيـاه ..
.. ومضـي عـام دراسـي صعـب .. اخـتـتـم بـأن منـحـني الـلـه سـلاح ( الـثانويـة العـامة أدبـي ) 1955-1956.. وكـان الـتـقــديم والـقـبول عـن طـريق الجـامعـات مباشـرة .. وأسماء الـنـاجـحـيـن تنشـر فـي الصحـف .. وكـان مجمـوع الأول عـلي الجـمـهـوريـة 70% ... ومجـمـوع المـسكـين 56% .. ومـع ذلـك وصـلتـني رسالات ثـلاث مـن كـلــّـيـّـات مخـتـلفـة قـبل تـقـديم أوراقي لأى جـامعـة .. تعـرض عـليّ الإلتحـاق بهـا .. وتستعـرض مـيزاتهـا .. اسـتـنادا إلـي درجـات الـتـفـوّق .. وكانت عـنـدى هـي العـربيـة والإنجـليزيـة والـتاريخ .. وطـبعـا لـم ألـبي .. فـرغـيـف الخـبز يسـيطـر عـلي كـل الأولـويـات .. ولـم أستكمـل تـعـلـيمـي الجـامعـي إلا بعـد توقـف دام إثـنـي عـشـر عـامـا .
حـصلـت عـلي عـمـل كـسكـرتـيـر بأحـد مكـاتب المحـاسـبـة بمـؤهـلي المـتوسط فـي القـاهـرة في بنـاية تـواجـه الـباب الـرئيـسي لعـمـر أفـنـدى عـبـدالعـزيز .. وهـجـرت قـريتـي الحـبـيـبـة .. بـلا عـودة إلا لـو كـنت زائـرا .. واحـتـلـت تـلك الـواحـة الخـضـراء الـرائعـة اتـسـاع قـلــبي كـل الـسـنـين .. عـوضـا عـن جـسـدى .. وكـان ذلـك فـي نـهـايـات الـربـع الأخـير مـن عـام 1956 .. بعـد العـدوان الثـلاثـي مـباشـرة .
تـفـضـل أقـربـاء لـي بأن أسكـنونـي فـي المـطريـة .. فـي ( فـيلا قـديمـة ) عـلي ناصـية شارع يـدعـي ( عـلي باشا الــّـلالا) .. تطـل عـلي محـطـة القـطـار مباشـرة .. تـلك المحـطـة ( الكـلاسيكـية) الجـميلـة .. وكـانت بلا أسـوار .. ذلـك المسكـن الـرائـع المحـاط بحـديقـة مـزهـرة .. كـان أصحـابـه يؤجـرونـه غـرفـا .. وكـان نصـيـبي غـرفـة أرضـية أمـاميـة ذات شرفـة بـإيجـار شهـرى ( جـنيهـان) .. واشـتريت دراجـة 28.. كـنـت أسابـق بهـا أوتـوبـيـس 27 ذهـابا وإيابـا بكـل استـمـتـاع إلـي عـملـي فـي شارع عـبدالعـزيز بـالعـتـبـة .. لـفـتـرتي عـمـل .. صـباحـيـة ومسائـيـة .. وفـي إجـازة الجـمعـة .. يتجـمـع ( العـزاب) .. كـل السكـان وكـان بـيـنـنـا ساكـن يـونـانـي يـدعـي ( الخـواجـه إدوارد ) .. نـطهـو الطـعـام جـمـاعـة .. ونتنـاول الغـداء معـا .. ثم نـنـقـسـم إلـي جـمـاعـات حـسب الهـوايات .. عـشاق سيـنـمـا ناديـه الـصـيفي يـنطـلـقـون إليهـا قـبـل المغـارب .. والـبعـض يـتحـلـقـون تسليـة مـع الـورق .. والـمـلفـت أن البعـض ومنهـم الخـواجـه .. لوحـدهـم كـده .. كـانوا يـدأبـون علـي تـنـظـيـف فـراغـات كـل الـبنـايـة والحـديقـة تبـرّعـا وبـنـشاط ملحـوظ .. نـزودهـم بـأكـواب الشاى حين نشاطهـم بـين الفـينـة والأخـرى ...
أمـا أنـا .. ومـن شـابهـني .. هـؤلاء الـذين جمـعـني وإيـاهـم اهـتمـام مشـترك بالفـكـر والأدب .. وكـنـا نحـظـي باحـترام وافـر من المجـمـوع .. فـنخـرج للإستمتـاع بجـمـال الحـياة والطـبيعـة فـي تنـقـل بـين الشوارع والزراعـات أوعـلي أطـراف الصـحـراء الـقـريبـة فـي ( أرض الـنعـام ) .. ولتحـتـدم بينـنـا الحـوارات والمنـاوشات والقـفـشـات خـلال ذلـك التـجـوال .
كـانت تـلك أجـواء مـن الـزمـن الجـمـيل أشـك أن تعـود أو تـتـكــرر .
(3) المطـريــة .. السـاحـرة الـتي انطـفـأت
.. كـانت المطـريـه نمـوذجـا رائعـا للتعـايش والتـسامح .. كانت تتمـيز بمبـانيهـا الواسعـة أشبـه بمجمـوعـات من الفـلـل تحـيط بهـا الحـدائق مـن كـل الجـوانب .. ينـدر أن تـقـع عـيناك عـلي مبـني مـرتفـع تـزيـد طـوابقـه عـن الثـلاثـة ..
أشهـر شوارعـهـا .. شجـرة مـريم .. والمـطـراوى .. خـفـيفـة الكـثـافـة السكـانـية .. الـتجـوال خـلال طرقـها لأى سبب .. رحـلة ومـتـعـة .. شمـالهـا الشـرقـي صحـراء عـامـرة أليفـه .. عـلي امتـدادهـا مشـفي الخـانـكـه ومصحـّـة ألمـاظـه .. وعـلي الـبعـد سجـن أبو زعـبل .. كـفـانـا الـلـه شـره وكـفـاكـم .. بـيـنـمـا جنـوبهـا الغـربي أحـياء رائعـة كـحـدائق الـزيتون وحـلـميتـهـا والـقـبـة وسـرايـتهـا .. تـزحـف عـلي كـل تـلك الأحـياء مـن الغـرب متصـلـة بشـبرا الـبلـد الـزراعـات الـشاسعـة والـبسـاتـيـن والخـضـرة .. تهـدينـا بطزاجـتهـا رزقـا يومـيا شهـيا مـن الفـواكـه والـخضـروات وألأجـبـان والحـليب ..
هـو الـريف الحـضرى كـمـا يتـمـني المـرء .. هـبة مـن الـلـه .. وتـخـطيط وإرث مـن آبائـنــا الأقـربـين المشـتـومـين .. يشق كـل هـذا في انسياب جـمـيل أليـف مـريح للبصـر .. قـطـار المـرج .. القـادم من كـوبرى الـلـيـمون .. ( المـأسوف عـليه رمسيس سـابقـا ) . مـتجـهـا إلـي أبـو زعــبـل .. أو قـادمـا منـه .. متـصـلا فـي نهـايته بـقـطـار الشرق الـذى يخـترق كـل مـديريـة الشرقـية فـي طـريقـه إلـي المنصـورة .. يـطـل عـلي المحـطـة قصـر رائع شاسع سـاحـر .. هـو قـصـر الأمـير يوسـف كمـال .. الـذى حـولـوه إلـي حـظـيـرة كـبيرة .. أو تكـيـّة .. أسمـوه اليـوم عـلي ماأذكــر ( معهـد مش عـارف إيـه الصّحـراء ) ... طـبعـوه بـقـبحـهـم .
فـي شوارع المـطريــة .. تصـادفـك وجـوه جمـيلـة مبتسمـة لـخـليط مـن كـل الأجـناس الـذين اتخـذوا مـن هـذا الحـي مستـقـرا لهـم وأسـرهم .. المنحـدرون مـن أصـول تـركـية .. إيطـاليـون .. يونـانـيون .. قـليل من الفـرنسـيين الممتهـنين للـفـنون التشكـيـلـية .. أبنـاء الشـرقـية والـقـليـوبـيـة لتـلاصـقهمـا .. صـعـايده .. والعـجـيب أن منـاخ هـذا الحـي الـرائـع قـد طـبعـهم جـميعـا بطـابـع الإسـترخـاء الـلـذيـذ دون أى أثـر لشد عـصبي مـن أى نـوع .. هـدوء وانسياب يشبهـا الهـمس الخـافـت.. رقـة فـي التعـامل حـتي مـن بائعـة الخضـار الريـفـيـة الـوافــدة .. سماحـة وتسـامح ..
في شارع شجـرة مـريم .. حـانوت الجـزارة لـبيـع اللحـوم الإسلاميــة قـريب مـنـه حانـوت لحـم الخـنازيـر .. يجـاورهم المقـهـي .. تـليـه الحـانـة .. الشـارع تـظـلـله الأشجــار .. وتكـسـوه الـنـظـافـة .. تجـوبـه أسـراب الحسنـاوات الجميـلات غـايـة الإشـراق والأدب والإحـتشام الجـذاب فـي أبهـي صـوره مـن كـافـة المـلل والجـنسيات .. واحـنا والصعـايـدة والخـواجـات .. انصـهرنـا جمـيعـا فـي بوتقـة واحـدة .. عـنوانهـا التعـايش والهـدوء .. كـل ينشـد الكمـال والجمـال .
تـلـك كـانت ( مطـريتـي ) .. الـتي تحـولت اليـوم وأصبحـت ( صـينـا شـعبيــة ) .. !! آهـ ... يـازمـن .. !!
المجمـوعـة الـتي انجـذبـت إليهـا مـن خـلال المـسكـن .. تشـابهـت بـينـنــا الهـوايـات .. نـتـفـق فـي العمـوميـات .. وقـد نخـتلف فـي الجـزئيــات .. تـلك سنـة الحـياة .. تـستولـد مـن خـلالهـا روعـات الحـوار .. فـي محـاولات للإقنـاع والإقتنـاع والـتقـارب .. حـيث تتولـد بالضـرورة عـنـاصـر العطـاء والأخـذ والإستفادة والإثـراء .
وكـان ضمـن تـلك المجمـوعـة .. رفـاق يعمـلون فـي مصحـة ( ألماظـة ) .. إسمهـا كـده .. لكـن هـي بعـد المـرج .. مصحـة للأمـراض الصـدريــة كانت .. فـي موقـع – شـاهـدتـه – يتمـيز بالهـدوء وجـمـال الـرقـعـة والـبنـاء والرعـاية والجـودة والهـواء النقـي .. تضـم فـي غـرفهـا كـل أبنـاء الشعـب مـن كـافـة المستـويـات دون أى تفرقـة .. تقـابلهـا فـي أقصـي الجنوب زمـيلتهـا ( مصحـة حـلوان ) .. الـتي ذهـب أديـبـنــا المرحـوم ( نجـيب محـفوظ ) بالشـاب المـصـدور رشـدى عـاكـف ( حـسن يـوسف ) إليهـا خـلال رائعـته ( خـان الخـليلـي ) لـو تـذكـرون .. فـيـنـك يامطـريـه .. فـيـنـك يـاحـلوان ... !! .
أعـود لصحـبتي من رفاق المسكـن ... كاتـب المصحـّة .. ينتمـي إلـي أسـرة مـن أهـم الأسـر الأصـيلـة فـي قـريتي .. التحـق بهـا عـامـلا عـاديـا .. كـان أمـّيـا .. لكـنـه يتمتـع بطمـوح خـيرّ .. فـبـدأ قـبـل تعـرفـي إلـيـه بمحـو أميـتــه بإصـرار.. ثـم مضـي في الدراسة الـذاتيـة مـن المنـازل .. لـيـحصـل عـلي الشهـادة الأولـيـة .. ثـم الإبتـدائية الـقـديمه .. فألغـوهـا وأحـلوا الإعـدادية بـديلا لهـا .. فـتـتـبـّعهـا إصـرارا .. ونـالهـا .. لتتـم ترقـيتــه إلـي كـاتب بالمصـح .. وحـين مزاملتـه .. كـان يـذاكـر في الصف الثاني الثانوى أدبي .
الـثـانـي .. إبن عـمي ... كـان يعمـل ممـرضـا بالمصـح .. ويجـلب معـه اللحـوم المطهـوة والأجـبـان الفـاخـرة الشهـية التي لـم أصـادف مثلهـا بعـد ذلـك .. بكميات وفـيرة كـان يـأتـي حـين عـودتـه يوميـا .. فكـان تمـوينـا مطمئنـا يولـد الإستـقـرار الـنـفسي ويولـد الإحـساس بأن ( الـبـيـت ملـيان أكـل ) ...والعـلم عـنـد اللـه .. يخـيل إلـيّ أنـه كـان يسرقهـا { رحـمـة الله وغـفـرانـه إليــه .. دعـوات أرسـلهـا لـه فـي قــبره } ..
وثـالثهـم .. طـباخ المصـح ... شاب جـمـيل مهـذب ... رائـع .. كـان يتـولـي أمـر الطهـو لنـا فـي مسكـننـا .. شديد الـثقـة والتهـذيب ... لايعرف القـراءة والكـتابـة ... لكـنـه كـان رسـامـا عـبقـريـا .. لوحاتـه أبهـرت المتخـصصـين حـين أتيحـت الفرصـة لمعـاينتهـا .
أمـا الـرابـع ... وهـو بيت القـصـيـد .. فكـان رجـلا فـي أواسـط العمـر .. هـادىء رصـين .. متوسط التـاهـيل .. بمتلك شخـصـية قـياديـة .. زعـيمنـا كـان ... لايـقـبـل بسهـولـة ولا يتيح الفرصـة لأى كـان أن ينـافـسـه أو يبـدوا أكـثـر منـه ثـقـافـة ولا تبحــرا .. وفـي نفس الوقـت يتمتـع بجـاذبيـة لايملـك المـرء حـيالهـا سوى أن يحـترمـه .. وأن يحـبـه .. هكـذا كـان الأستـاذ ( عــابـدين ) .. أمـين مخـازن المصـح .. مـن القـصّـاصـين شرقـيـه .
كـنت قـد تـعـلــّـمت الضـرب عـلي مفـاتــيح الآلـة الكـاتبـة في مقـر عـملـي .. وطـالـع الأستاذ ( عـابديـن) بعـضا مـن أقـاصـيصي الـقصـيرة مكـتوبـة بحـروف الآلـة .. ولست أدرى حـتي الآن .. هـل إعجـابـه كـان للإقصوصات فـي حـد ذاتهـا .. أم بالحـروف المبهــرة لآلـة الطباعــة ..
ولعـلـه أحـد السـبـبـيـن هـو الـذى دفـعـه لأن يصطـفـيـني لـيودعـني خـلجـات نفسـه .. ومقـدار حـنـقـه وغـضـبـه .. مـن طـبيب شـاب يزاملهـم فـي المصـح .. أرعـن متحـذلـق .. فـيـلسوف أو مـتـفـلسف عـلي حـد قـول الأستـاذ عـابـدين .. يكـتـب ... ويقـرأ عـليهـم بعـض كـتـاباته التي كـانت تثـير حـفـيظـة أستـاذنـا ...
والأدهــي والأمـر أن هـذا الطـبـيـب ملحــد لايـؤمن بأىّ من الأديـان ويعـلن ذلـك عـلي الملأ .. الأمـر الـذى دفـع الأستاذ لأن يـدبـج مقـالا عـنـيـفـا يهـاجـم فـيه هـذا الطـبيب الغـر المغـتر .. ويصـغـر من شـأنـه ... أمهـره بإسم مستعـار .. ثـم كـلفـنـي بأن أكـتـبـه عـلي الآلـة الكـاتبـة ..مـن أربعـة نسخ .. واحـدة لـه .. والثلاث الأخريات لـلصحـف اليومية التي كانت موجـودة حـينهـا عـلي الساحــة .. وأعـطاني قـروشـا ثـلاثـة ثمنـا لطـوابـع البريــد ...
قمت بالمهمـة .. وأرسلتهـا ... لأفـاجـأ بنشـرهـا بعـد أيـام فـي كـل تـلك الصحـف بكـل كـلماتهـا وحـروفهـا ...
** وكـان إسم هـذا الـشـّـاب الـطـبـيـب ( دكـتـــورمصـطـفـي محمـــود ) .
لمزيد من الذكريات عن الدين والمكان إضغط هــــنـــــا
|